دستورك يا محروسة
الإشراف القضائي على الاقتراع
الرسالة الرابعة
انتخابات 2000 و بشائر العاصفة

ذكرنا من قبل أن حكم المحكمة الدستورية العليا كان له أثر مزلزل على الحياة السياسية المصرية ، إلا أن هذا الأثر لم يظهر بصورة مباشرة بعد إصدار هذا الحكم . ذلك أن الحكم صدر في الثامن من يوليو 2000 و بدأت انتخابات مجلس الشعب في شهر نوفمبر من ذات العام ، و بالتالي لم تسمح قصر الفترة الزمنية للتيارات السياسية المختلفة الاستعداد للدخول في معركة انتخابية شبه نزيهة ، كما أن بعضها لم يدرك الفارق الكبير الذي قد يحدثه هذا الحكم على نتائج الانتخابات .
إلا أن ذلك لم يمنع ظهور آثار الإشراف القضائي على الإقتراع على نتائج الانتخابات .
حيث أصيب الحزب الحاكم برئاسة الرئيس مبارك بسقوط فادح لأول مرة منذ إنشائه ، و لم يحصل سوى على بضع و ثلاثين في المائة من مقاعد مجلس الشعب برغم كل ما شاب العملية الانتخابية من تدخلات إدارية كانت سافرة في بعض الحالات .
و لم تقتصر الهزيمة الفادحة على ذلك فحسب و لكن لأول مرة تبذخ ظاهرة سقوط الحزب التام في بعض المحافظات بنسبة مائة في المائة و عدم حصوله على أي مقعد من مقاعد تلك المحافظات .
و اضطر الحزب أن يقوم بعملية شاقة للغاية لتجميع المستقلين الفائزين للإنضمام إليه بكل الوسائل حتى يحفظ بعض ماء الوجه .
و إذا كان البعض قد أفاض و زاد في تحليل نتائج تلك الانتخابات فإن أزمة النظام الحقيقة كانت في المستقبل و ليس في تلك النتائج .
فحكم المحكمة الدستورية قد تطلب رقابة القضاة على كل لجان الإقتراع الفرعية و العامة في كل عمليات الاقتراع ؛ أي أن رقابتهم تمتد إلى عمليات الإقتراع الآتية :
1- انتخابات مجلسي الشعب و الشورى .
2- الاستفتاء على رئيس الجمهورية 1.
3- الاستفتاء على تعديل الدستور .
4- الاستفتاء على حل مجلس الشعب (المادة 136 من الدستور).
5- استفتاء الشعب في حالة النزاع بين مجلس الشعب و الحكومة (المادة 127 من الدستور) .
6- استفتاء الشعب على الإجراءات التي يتخذها الرئيس وفقاً للمادة 74 من الدستور .
7- استفتاء الرئيس رأي الشعب في مسألة هامة وفقاً للمادة 152 من الدستور .
أي أنه وفقاً لهذه النتيجة فإن القضاة سوف يراقبون الاستفتاء على رئاسة الجمهورية في 2005 و انتخابات مجلس الشعب في ذات العام !!!!!
هذه بالفعل هي الطامة الكبرى التي ما كان لها أن تحدث تحت أي ظرف من الظروف ، و هي أن يراقب القضاة استفتاء رئاسة الجمهورية 2.
و يكفي إلقاء نظرة على نتائج الاستفتاءات السابقة لمعرفة الفارق الكبير الذي يمكن حدوثه في نتيجة هذا الاستفتاء و خاصة في ضوء نتيجة السقوط الفادح لحزب الرئيس في انتخابات 2000.
و مع افتراض أن الرئيس مبارك قد استطاع النجاح في هذا الاستفتاء في 2005 فإن نجاحه سيكون وقتها بنسب شبه منطقية و التي تكون في حدود الخمسينات و لن تتجاوز الستينات في أفضل الحالات ، و بالتالي كان عليه وقتها الإجابة على أصعب سؤال سيوجه إليه :
ما هو تبرير الفارق الكبير بين نتائج الاستفتاء عليه قبل و بعد الإشراف القضائي ؟
أي عليه وقتها الاعتراف صراحة بتزوير الاستفتاءات السابقة .
ثم مواجهة أمر آخر و هو حقيقة التأييد أو الرفض الشعبي له !!!!
إن الرئيس في ظل هذا الموقف انحسرت اختياراته في أمرين لا ثالث لهما ، الأول هو تعديل الدستور و خاصة المادة 76 منه الخاصة بطريقة انتخاب رئيس الجمهورية ليصبح هناك أي نوع من التنافس يستخدم لتبرير هذا الفارق ، أما الثاني فهو تغيير شخص الرئيس و اختيار شخص جديد يسهل تبرير نجاحه – إذا نجح – بهذه النسب القليلة نسبياً عن الاستفتاءات السابقة ( و قطعاً الحديث هنا تحديداً عن جمال مبارك ) . إلا أن الهجوم الشرس على جمال مبارك كان كفيل بعدم المجازفة بالاحتمال الثاني .
و رغم ذلك فإن الأمر الأول لم يكن أيضاَ هو الحل الذي لجأ إليه الرئيس مبارك 3!!!!
1- وفقاً للمادة 76 قبل تعديلها فمجلس الشعب هو الذي يختار رئيس الجمهورية و يستفتي عليه الشعب ، فإذا رفضه الشعب في الاستفتاء يعيد مجلس الشعب الاختيار من جديد و يعرض مرة أخرى على الشعب في استفتاء جديد ، على تفصيل سنحاول عرضه لاحقاً .
2- و بالطبع فإن انتخابات مجلس الشعب التالية 2005 سوف تشهد استعداداً قوياً من بعض القوى السياسية أو حتى المستقلين استغلالاً لتلك النزاهة التي أصبحت تلازم عملية الاقتراع على الرغم من كل ما في العملية الانتخابية من تجاوزات انتخابية فجة .
3- أعلم جيداً أن الكثيرين سيرفضون هذه العبارة الأخيرة لأسباب عديدة أهمها أن هذا في نظرهم هو ما تم بالفعل ، إلا أن حقيقة ما تم يتجاوز السرد السطحي للأمور وصولاً إلى جوهر الداء و كيف تغلغل في هدوء و تعمتيم تامين .


